البلجاء ابنتي البكر. وكانت — قبل أن يقومَ مركز العيسري — هي التجربةَ الأولى. سافرتُ وأمَّها إلى بريطانيا لطلب العلم، وفي صدري قلقٌ لا يهدأ: كيف تتعلّم لسانَ القرآن في أرضٍ لا ينطق أهلُها بالعربية؟ كان همّي أن أُعِدّها للآخرة قبل الدنيا، وتلك أمانةٌ ثقيلة.
حملنا معنا كُتبًا كثيرةً من السوق: «ألف أرنب، باء بطّة»… تختلف أمثلتُها وتتّفق طرائقها. وجلست أمُّها معها الساعاتِ الطوال، شهرًا بعد شهر، والحالُ هو الحال. حتى خطر لي السؤالُ المُرّ: أتُعاني ابنتي عُسرًا في القراءة؟
ثمّ نظرتُ من زاويةٍ أخرى…
فإذا البلجاء — في العام نفسه — تنال المركزَ الأوّل على مستوى السلطنة في مسابقة السلطان قابوس لحفظ القرآن، وتتفوّق في مدرستها الإنجليزية في كلّ مادّة. فأيقنتُ يقينًا لا يتزعزع: الخللُ في المنهج، لا في الطفلة. لكنّي بقيتُ حائرًا، لا أعرف المنهجَ الذي يُنقذها.
وفي ثوب المِحنة، جاءت المِنحة
كانت أختُها الصغرى خولة قد بلغت سنّ الرَّوضة، فبحثتُ لها عن رَوضةٍ فلم أجد، حتى رأيتُ في مسجدٍ بمدينة ليستر إعلانًا عن حلقةٍ لتعليم القراءة يقوم عليها إخوةٌ من شبه القارّة الهندية. أرسلتُها لتأنس لا لتتعلّم… فرجعت بعد أقلَّ من شهرٍ تعرف الحروفَ كلَّها. فبُهِتُّ: ما هذا؟ سنةٌ كاملةٌ مع البلجاء دون جدوى، وخولةُ في أسابيع!
فقلت لخولة: علّمي أختَكِ ما تعلّمتِ. فما هي إلّا أيّامٌ حتى أتمّت البلجاء الحروف، ثمّ مضت تقرأ. ولمّا عُدنا إلى البلد أكملت جدّتُها المسيرةَ على القاعدة البغدادية، ثمّ هداني الله إلى القاعدة المكّية وأمثلتُها كلُّها من القرآن. وعلى هذا علّمنا بلجًا وزوينة في البيت.
فبدا لنا أن نُعمّم الفكرة؛ فافتتحنا مركز العيسري. ثمّ طُفتُ الأرضَ ربعَ قرنٍ على خُطى ابن بطوطة — من عُمان إلى الشارقة إلى مكّة إلى حلب — أجمع محاسنَ أكثرَ من عشرين منهجًا، وأتّقي معايبها، حتى وُلد «منهج القارئ العبقري» جامعًا ما تفرّق في غيره.
واليوم؟
البلجاء تُناهز الثلاثين، تزوّجت وأنجبت، وأدخلت ابنَها وابنتَها إلى مدرسة القارئ العبقري — إلى المقعد الذي صُنع المنهجُ كلُّه من أجلها. وليست وحدها؛ فكم من عبقريٍّ وعبقريّةٍ تعلّموا عندنا صغارًا، صاروا اليومَ آباءً وأمّهاتٍ يُرسلون أبناءهم إلينا.
هذه هي الحياة الطيِّبة كما عشناها قبل أن نَعِدَ بها: ليست لحظةً عابرة، بل أثرًا يتوارث. جيلٌ أعددناه، صار يُعِدّ جيلًا.